السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
70
مختصر الميزان في تفسير القرآن
والحقيقة التي بيّنها لهم أن الذي جاءوا به سحر والسحر شأنه إظهار ما ليس بحق واقع في صورة الحق الواقع لحواس الناس وأنظارهم ، وإذا كان باطلا في نفسه فان اللّه سيبطله لأن السنّة الإلهية جارية على إقرار الحق واحقاقه في التكوين وإزهاق الباطل وإبطاله فالدولة للحق وان كانت للباطل جولة أحيانا . ولذا علّل قوله : إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ بقوله : « إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ » فان الصلاح والفساد شأنان متقابلان ، وقد جرت السنّة الإلهية أن يصلح ما هو صالح ويفسد ما هو فاسد أي ان يرتب على كل منهما أثره المناسب له المختص به وأثر العمل الصالح ان يناسب ويلائم سائر الحقائق الكونية في نظامها الذي تجري هي عليه ، ويمتزج بها ويخالطها فيصلحه اللّه سبحانه ويجريه على ما كان من طباعه ، وأثر العمل الفاسد ان لا يناسب ولا يلائم سائر الحقائق الكونية فيما تقتضيه بطباعها وتجري عليه بجبلتها فهو امر استثنائي في نفسه ، ولو اصلحه اللّه في فساده كان ذلك إفسادا للنظام الكوني . فيعارضه سائر الأسباب الكونية بما لها من القوى والوسائل المؤثرة ، وتعيده إلى السيرة الصالحة إن أمكن وإلّا أبطلته وأفنته ومحته عن صحيفة الوجود البتة . قوله تعالى : وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ لما كشف اللّه عن الحقيقة المتقدمة في جانب النفي بقوله : « إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ » أبان عنه في جانب الإثبات أيضا في هذه الآية بقوله : « وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ » وقد جمع تعالى بين معنيي النفي والإثبات في قوله : لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ( الأنفال / 8 ) . ومن هنا يقوى احتمال أن يكون المراد بالكلمات في الآية أقسام الأقضية الإلهية في شؤون الأشياء الكونية الجارية على الحق فإن قضاء اللّه ماض وسنّته جارية أن يضرب الحق والباطل في نظام الكون ثم لا يلبث الباطل دون أن يفنى ويعفى أثره ويبقى الحق على جلائه ، وذلك قوله تعالى : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً